سعيد حوي
1710
الأساس في التفسير
عنده . ومبارك في محله الذي علم اللّه أنه له أهل . . قلب محمد الطاهر الكريم الكبير . . ومبارك في حجمه ومحتواه . فإن هو إلا صفحات قلائل بالنسبة لضخام الكتب التي يكتبها البشر ، ولكنه يحوي من المدلولات والإيحاءات والمؤثرات والتوجيهات في كل فقرة منه ما لا تحتويه عشرات من هذه الكتب الضخام ، في أضعاف حيزه وحجمه ! وإن الذي مارس فن القول عند نفسه وعند غيره من بني البشر ؛ وعالج قضية التعبير ، بالألفاظ عن المدلولات ، ليدرك أكثر مما يدرك الذين يزاولون فنّ القول ولا يعالجون قضايا التعبير ، أنّ هذا النّسق القرآني مبارك من هذه الناحية . وأن هنالك استحالة في أن يعبر البشر في مثل هذا الحيّز - ولا في أضعاف أضعافه - عن كل ما يحمله التعبير القرآني من مدلولات ومفهومات وموحيات ومؤثرات ! وأن الآية الواحدة تؤدي من المعاني وتقرّر من الحقائق ما يجعل الاستشهاد بها على فنون شتى من أوجه التقرير والتوجيه شيئا متفردا لا نظير له في كلام البشر . . وإنه لمبارك في أثره . وهو يخاطب الفطرة والكينونة البشرية بجملتها خطابا مباشرا عجيبا لطيف المدخل ، ويواجهها من كل منفذ وكل درب وكل ركن ، فيفعل ما لا يفعله قول قائل ذلك أن به من اللّه سلطانا . وليس في قول القائلين من سلطان ! ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في تصوير بركة هذا الكتاب . . وما نحن ببالغين لو مضينا شيئا أكثر من شهادة اللّه له بأنه « مبارك » ففيها فصل الخطاب « وقال الألوسي في تفسير كلمة « مبارك » التي وصف اللّه بها القرآن : وقوله سبحانه مُبارَكٌ أي : كثير الفائدة والنفع لاشتماله على منافع الدارين وعلوم الأولين والآخرين صفة بعد صفة قال الإمام : جرت سنة اللّه تعالى بأن الباحث عن هذا الكتاب المتمسك به يحصل به عز الدنيا وسعادة الآخرة » . وقال صاحب الظلال عند قوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ . وهذا القول الذي كان يقوله مشركوا مكة في جاهليّتهم ، يقوله أمثالهم في كل زمان ؛ ومنهم الذين يقولونه الآن ؛ ممن يزعمون أن الأديان من صنع البشر ، وأنها تطوّرت وترقت بتطور البشر وترقيهم . . لا يفرقون في هذا بين ديانات هي من تصورات البشر أنفسهم ، كالوثنيات كلها قديما وحديثا ، وترتقي بالزعم وتنحطّ بارتقاء أصحابها وانحطاطهم ، ولكنها تظل خارج دين اللّه كله . وبين ديانات جاء بها الرسل من عند اللّه ، وهي ثابتة على أصولها الأولى ؛ جاء بها